صحيفة المرصد: في مقالٍ يستعرض تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في تقديم الرعاية الصحية، يسلّط الكاتب نجيب عصام يماني الضوء على مفهوم «الإنسان أولًا»، ودور الإدارة في بناء تجربة تتجاوز حدود العلاج إلى الاهتمام بالمريض واحتياجاته الإنسانية.وقال الكاتب : إنجازات مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث أضاءت لها “الرؤية” المسار، ورسمت لها المنهاج، وعبّدت لها الطريق، فانطلقت محفوفة بالثقة واعية لهدفها، مدركة لمراميها تجعل من كل نجاح وقودًا للانطلاق، وليس محطة للاسترخاء،فلا سقف للطموح طالما كان صوت “محمّد الخير”، حادي ركبنا، ينادي في وعينا ظاهرًا وباطنًا “نحلم ونحقق” .بعض المستشفيات تعالج المرض، وبعضها تعالج المريض والمرض معا، والفرق بين الاثنين أوسع كثيرًا من المسافة بين عبارتين. علاج المرض يبدأ من التشخيص والدواء والجراحة والتقنية، أما علاج المريض فيبدأ من لحظة استقباله، من النظرة الأولى، ومن نبرة الصوت، ومن الطريقة التي يُقال بها له أهلاً بك، نحن معك.تلك المسافة الإنسانية الدقيقة هي التي تمنح مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث روحها، وتجعل المريض يشعر بأنه أمام منظومة ترى الإنسان قبل الملف الطبي، وتسمع صوته قبل أن تقرأ رقمه، وتدرك أن خلف كل تشخيص قلبًا قلقًا، وأسرةً تنتظر، وحياةً معلقة بين الرجاء والخوف.تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث نموذجًا متقدمًا لفن الإدارة الصحية؛ إدارة لا تختزل النجاح في الأجهزة الحديثة، ولا في العمليات المعقدة، ولا في المراكز المتخصصة، وإنما تضيف إلى ذلك كله قيمة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر الإنسانيالباب المفتوح في الإدارة ليس مجرد باب يمكن للمراجع أن يدفعه ويدخل منه؛ إنه فلسفة كاملة في التعامل مع الناس. الإدارة الناجحة هي التي لا تجعل المريض يشعر بأنه يقف أمام جدار من الإجراءات، ولا تتركه يتنقل بين النوافذ بحثًا عن إجابة، ولا تحوله إلى رقم ينتظر دوره، وإنما تمنحه شعورًا بأن هناك من يسمعه، ويتابع شأنه، ويأخذ سؤاله بجدية، ويبحث معه عن الطريق الأقصر والأوضح.هذا المعنى يظهر بوضوح في فلسفة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث تجاه تجربة المريض. هو يعلن صراحة أنه يضع المريض وعائلته في مركز اهتمامه، ويؤكد أهمية إشراكه في القرارات المتعلقة بصحته، وتوفير الرعاية القائمة على الرحمة والتعاطف، إلى جانب المعلومات والدعم اللذين يحتاجهما المريض وأسرته طوال رحلة العلاج.هنا تتجلى براعة الإدارة الحقيقية أن تتحول القيم المكتوبة على الورق إلى سلوك يراه المريض ويلمس أثره.المريض وهو يعبر أبواب المستشفى يحمل معه قلقًا لا يظهر في ملفه الطبي. قد يكون خائفًا من نتيجة فحص، أو ينتظر قرارًا طبيًا مصيريًا، أو يرافق أبًا أو أمًا أو طفلًا، أو يعيش أيامًا ثقيلة لا يعرف كيف ستنتهي.لذلك فإن الابتسامة الصادقة، والعبارة الهادئة، والإرشاد الواضح، وحسن الاستماع، وسرعة توجيه المريض إلى المكان الصحيح، كلها أفعال إدارية وإنسانية لها أثر علاجي لا ينبغي الاستهانة به.المستشفى يضع ضمن حقوق المريض أن يتلقى رعاية تتسم باللطف والاحترام، وأن تُراعى خصوصيته واحتياجاته، وأن يحصل على معلومات واضحة بشأن تشخيصه وخطته العلاجية والمضاعفات المحتملة، وأن يكون شريكًا في فهم القرار الطبي المتعلق به مما يعني أن حسن المعاملة هنا ليس مجاملة إضافية، وإنما جزء من مفهوم الجودة نفسه وأجمل ما يمكن أن تمنحه مؤسسة صحية لمريضها هو ألا تجعله يشعر بأنه يتحدث إلى فراغ.إدارة تسمع الشكوى ولا تغضب منها، وتقرأ الملاحظة ولا تعتبرها انتقاصًا، وتحوّل التجربة السلبية إلى فرصة للتطوير، هي إدارة تمتلك شجاعة التعلم لتصبح تجربة المريض مصدرًا لصناعة القرار الإداري، لا مجرد انطباع عابر..قد يبدو التعاطف كلمة بسيطة، لكنه في التخصصى قيمة بالغة العمق؛ يستطيع الجهاز الطبي أن يقيس ضغط الدم ونسبة الأكسجين ومؤشرات كثيرة، لكنه لا يستطيع وحده قياس الخوف.ولا توجد شاشة إلكترونية تستطيع أن تعرض مقدار القلق الذي يحمله أب ينتظر نتيجة ابنه، أو أم تنتظر خبرًا عن ابنتها، أو مريض يدخل غرفة العمليات وهو يفكر في أسرته.لذلك يصبح التعاطف جزءًا أصيلًا من جودة الرعاية.يدرك المسؤل أن المريض يحتاج إلى تفسير أكثر من حاجته إلى إجابة مقتضبة، وأن الأسرة قد تحتاج إلى طمأنة صادقة، وأن السؤال الذي يبدو بسيطًا للموظف قد يكون بالنسبة إلى صاحبه أكبر سؤال في حياته.هذه الثقافة تتوافق مع ما يعلنه المستشفى عن نفسه رعاية محورها المريض، والتواصل المنفتح، والشفافية، واحترام احتياجات المريض وتفضيلاته وكرامته في كل خطوة من رحلة العلاج.من هذه الروح الإنسانية نصل إلى القيادة التي تقف خلف هذا النهج، انه ربان التخصصى معالي الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض في رسالته التي يوجهها لكل منسوبي المجموعة أن نجاح المستشفى يعتمد، بعد توفيق الله، على رضا المرضى وتفاني الموظفين والسعي المستمر نحو التميز، ويختم رسالته بالتطلع إلى خدمة المرضى بتميز وابتكار وعطف.وهذه الثلاثية جديرة بالتأمل..التميز يمنح الخدمة قوتها العلمية…الابتكار يمنحها قدرتها على التطور.،والعطف يمنحها إنسانيتها.ومن دون الضلع الثالث قد تصبح المستشفى متقدمة تقنيًا، لكنها باردة إنسانيًا. أما اجتماع الأضلاع الثلاثة فيصنع نموذجًا أكثر اكتمالًا.يجعل المريض شريكًا في تجربته العلاجية.هذا التحول حاضر بوضوح في تجربة التخصصي؛ فالمستشفى يصف تجربته بأنها ثقافة مؤسسية تقوم على التفاعل ومشاركة المرضى في اتخاذ القرار والاستفادة من آرائهم في تطوير الرعاية، بل إن المستشفى يتيح للمرضى وذويهم المشاركة أعضاءً في لجان تطوير الأداء، ليصبح صوت المريض جزءًا من عملية تحسين الخدمات وإعادة تشكيل تجربة الرعاية والانتقال من مفهوم قديم يرى أن المستشفى تقدم الخدمة والمريض يتلقاها، إلى مفهوم أكثر نضجًا يجعل المريض شريكًا في تجربته العلاجية.الكاتب : نجيب عصام يماني
صحيفة المرصد: في مقالٍ يستعرض تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في تقديم الرعاية الصحية، يسلّط الكاتب نجيب عصام يماني الضوء على مفهوم «الإنسان أولًا»، ودور الإدارة في بناء تجربة تتجاوز حدود العلاج إلى الاهتمام بالمريض واحتياجاته الإنسانية.
وقال الكاتب : إنجازات مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث أضاءت لها “الرؤية” المسار، ورسمت لها المنهاج، وعبّدت لها الطريق، فانطلقت محفوفة بالثقة واعية لهدفها، مدركة لمراميها تجعل من كل نجاح وقودًا للانطلاق، وليس محطة للاسترخاء،فلا سقف للطموح طالما كان صوت “محمّد الخير”، حادي ركبنا، ينادي في وعينا ظاهرًا وباطنًا “نحلم ونحقق” .
بعض المستشفيات تعالج المرض، وبعضها تعالج المريض والمرض معا، والفرق بين الاثنين أوسع كثيرًا من المسافة بين عبارتين. علاج المرض يبدأ من التشخيص والدواء والجراحة والتقنية، أما علاج المريض فيبدأ من لحظة استقباله، من النظرة الأولى، ومن نبرة الصوت، ومن الطريقة التي يُقال بها له أهلاً بك، نحن معك.
تلك المسافة الإنسانية الدقيقة هي التي تمنح مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث روحها، وتجعل المريض يشعر بأنه أمام منظومة ترى الإنسان قبل الملف الطبي، وتسمع صوته قبل أن تقرأ رقمه، وتدرك أن خلف كل تشخيص قلبًا قلقًا، وأسرةً تنتظر، وحياةً معلقة بين الرجاء والخوف.
تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث نموذجًا متقدمًا لفن الإدارة الصحية؛ إدارة لا تختزل النجاح في الأجهزة الحديثة، ولا في العمليات المعقدة، ولا في المراكز المتخصصة، وإنما تضيف إلى ذلك كله قيمة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر الإنسانيالباب المفتوح في الإدارة ليس مجرد باب يمكن للمراجع أن يدفعه ويدخل منه؛ إنه فلسفة كاملة في التعامل مع الناس.
الإدارة الناجحة هي التي لا تجعل المريض يشعر بأنه يقف أمام جدار من الإجراءات، ولا تتركه يتنقل بين النوافذ بحثًا عن إجابة، ولا تحوله إلى رقم ينتظر دوره، وإنما تمنحه شعورًا بأن هناك من يسمعه، ويتابع شأنه، ويأخذ سؤاله بجدية، ويبحث معه عن الطريق الأقصر والأوضح.
هذا المعنى يظهر بوضوح في فلسفة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث تجاه تجربة المريض.
هو يعلن صراحة أنه يضع المريض وعائلته في مركز اهتمامه، ويؤكد أهمية إشراكه في القرارات المتعلقة بصحته، وتوفير الرعاية القائمة على الرحمة والتعاطف، إلى جانب المعلومات والدعم اللذين يحتاجهما المريض وأسرته طوال رحلة العلاج.
هنا تتجلى براعة الإدارة الحقيقية أن تتحول القيم المكتوبة على الورق إلى سلوك يراه المريض ويلمس أثره.
المريض وهو يعبر أبواب المستشفى يحمل معه قلقًا لا يظهر في ملفه الطبي. قد يكون خائفًا من نتيجة فحص، أو ينتظر قرارًا طبيًا مصيريًا، أو يرافق أبًا أو أمًا أو طفلًا، أو يعيش أيامًا ثقيلة لا يعرف كيف ستنتهي.
لذلك فإن الابتسامة الصادقة، والعبارة الهادئة، والإرشاد الواضح، وحسن الاستماع، وسرعة توجيه المريض إلى المكان الصحيح، كلها أفعال إدارية وإنسانية لها أثر علاجي لا ينبغي الاستهانة به.
المستشفى يضع ضمن حقوق المريض أن يتلقى رعاية تتسم باللطف والاحترام، وأن تُراعى خصوصيته واحتياجاته، وأن يحصل على معلومات واضحة بشأن تشخيصه وخطته العلاجية والمضاعفات المحتملة، وأن يكون شريكًا في فهم القرار الطبي المتعلق به مما يعني أن حسن المعاملة هنا ليس مجاملة إضافية، وإنما جزء من مفهوم الجودة نفسه وأجمل ما يمكن أن تمنحه مؤسسة صحية لمريضها هو ألا تجعله يشعر بأنه يتحدث إلى فراغ.
إدارة تسمع الشكوى ولا تغضب منها، وتقرأ الملاحظة ولا تعتبرها انتقاصًا، وتحوّل التجربة السلبية إلى فرصة للتطوير، هي إدارة تمتلك شجاعة التعلم لتصبح تجربة المريض مصدرًا لصناعة القرار الإداري، لا مجرد انطباع عابر..
قد يبدو التعاطف كلمة بسيطة، لكنه في التخصصى قيمة بالغة العمق؛ يستطيع الجهاز الطبي أن يقيس ضغط الدم ونسبة الأكسجين ومؤشرات كثيرة، لكنه لا يستطيع وحده قياس الخوف.
ولا توجد شاشة إلكترونية تستطيع أن تعرض مقدار القلق الذي يحمله أب ينتظر نتيجة ابنه، أو أم تنتظر خبرًا عن ابنتها، أو مريض يدخل غرفة العمليات وهو يفكر في أسرته.
لذلك يصبح التعاطف جزءًا أصيلًا من جودة الرعاية.يدرك المسؤل أن المريض يحتاج إلى تفسير أكثر من حاجته إلى إجابة مقتضبة، وأن الأسرة قد تحتاج إلى طمأنة صادقة، وأن السؤال الذي يبدو بسيطًا للموظف قد يكون بالنسبة إلى صاحبه أكبر سؤال في حياته.
هذه الثقافة تتوافق مع ما يعلنه المستشفى عن نفسه رعاية محورها المريض، والتواصل المنفتح، والشفافية، واحترام احتياجات المريض وتفضيلاته وكرامته في كل خطوة من رحلة العلاج.
من هذه الروح الإنسانية نصل إلى القيادة التي تقف خلف هذا النهج، انه ربان التخصصى معالي الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض في رسالته التي يوجهها لكل منسوبي المجموعة أن نجاح المستشفى يعتمد، بعد توفيق الله، على رضا المرضى وتفاني الموظفين والسعي المستمر نحو التميز، ويختم رسالته بالتطلع إلى خدمة المرضى بتميز وابتكار وعطف.
وهذه الثلاثية جديرة بالتأمل..
التميز يمنح الخدمة قوتها العلمية…الابتكار يمنحها قدرتها على التطور.،والعطف يمنحها إنسانيتها.
ومن دون الضلع الثالث قد تصبح المستشفى متقدمة تقنيًا، لكنها باردة إنسانيًا. أما اجتماع الأضلاع الثلاثة فيصنع نموذجًا أكثر اكتمالًا.
يجعل المريض شريكًا في تجربته العلاجية.
هذا التحول حاضر بوضوح في تجربة التخصصي؛ فالمستشفى يصف تجربته بأنها ثقافة مؤسسية تقوم على التفاعل ومشاركة المرضى في اتخاذ القرار والاستفادة من آرائهم في تطوير الرعاية، بل إن المستشفى يتيح للمرضى وذويهم المشاركة أعضاءً في لجان تطوير الأداء، ليصبح صوت المريض جزءًا من عملية تحسين الخدمات وإعادة تشكيل تجربة الرعاية والانتقال من مفهوم قديم يرى أن المستشفى تقدم الخدمة والمريض يتلقاها، إلى مفهوم أكثر نضجًا يجعل المريض شريكًا في تجربته العلاجية.
الكاتب : نجيب عصام يماني
