19
قال الفيلسوف شوبنهاور “الأصدقاء المزيفون هم أخطر أعدائنا”. في البداية سأذكر مفاجأة أفتتح بها، لأنها غابت عن الكثير لأسباب متعددة، وهي أن القاهرة في ٩ يناير ٢٠٢٦ قصفت أسلحة ومدرعات إماراتية في المثلث الحدودي المصري السوداني الليبي، وذلك بعد عشرة أيام من قصف الرياض للأسلحة والمدرعات الإماراتية في ميناء المكلا في اليمن يوم ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٥.
سأعود لذلك لاحقا. لم تكن العلاقة بين القاهرة وأبوظبي يوما كما ظهرت في شكلها العلني. فخلف لغة الدعم والتحالف تشكل منذ اكثر من عقد مسار مواز تحركت فيه أبوظبي بأدوار وظيفية تتجاوز مفهوم الشراكة باتجاه تطويق مصر سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا وإعلاميا، مستغلة المعضلة التاريخية للقاهرة المرتبطة بالأمن والاقتصاد. ما جرى لم يكن سوء فهم ولا تباينا عابرا، بل استراتيجية تراكمية انتهت بتهديد مباشر لمفهوم السيادة المصرية والأمن القومي المصري.
هنا استعرض بكل حيادية وبالوقائع ما حدث بين العاصمتين خلال السنوات الماضية، مع ربط تفاصيل غفلت عنها كثير من وسائل الإعلام، أو على الأقل غفلت عن ربط بعض النقاط ببعض. خلال اكثر من عقد وجهت أبوظبي للقاهرة سلسلة من الطعنات الاستراتيجية المتراكمة تندرج جميعها تحت مظلة تفريغ مصر من سيادتها السياسية والاقتصادية والأمنية والجيوسياسية والإعلامية. بدأت بتقويض مساعي القاهرة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط عبر مشاريع تستبعدها، ثم تعطيل أي تقارب مصري تركي لإبقاء مصر رهينة الاستقطاب، ثم تهميش الدور المصري في ملف التطبيع ومحاولات التشويش على دور القاهرة في غزة وفلسطين، ثم الانحياز الصريح لإثيوبيا في أخطر تهديد وجودي لمصر عبر دعم سد النهضة سياسيا وماليا، ثم الاصطدام مع الرؤية المصرية المتزنة في ليبيا على حساب الحل السياسي، ثم تهديد الأمن القومي المصري في السودان عبر دعم ميليشيا الدعم السريع التي قامت بالاعتداء المباشر على أمن مصر، ثم تقويض سيادة الصومال وتجنيد شبابه في حروب بالوكالة تهدد العمق الاستراتيجي لمصر، ثم محاولات التغلغل الاقتصادي السياسي في مفاصل سيادية حساسة من الموانئ وقناة السويس إلى الأراضي الزراعية والمشاريع السيادية، وليس للاستثمار البريء، ثم محاولة السيطرة على الرأي العام المصري عبر شبكات إعلامية مشبوهة وتمويل ناعم منظم ومكثف، وأخيرا السعي للهيمنة عبر الميليشيات على الممرات البحرية الاستراتيجية من باب المندب إلى شرق أفريقيا بما يهدد بشكل مباشر دور قناة السويس وأمن مصر البحري.
في ملف سد النهضة بلغ التناقض حد الصدام غير المعلن. ففي الوقت الذي تواجه فيه مصر أخطر تهديد مائي في تاريخها قدمت أبوظبي دعما ماليا وسياسيا مباشرا لإثيوبيا. ففي يونيو عام ٢٠١٨، وخلال زيارة دولة إلى أديس أبابا، أعلن عن إيداع مليار دولار في البنك المركزي الإثيوبي. كما كشفت صحف دولية، أن الاستثمارات والمساعدات الإماراتية لإثيوبيا تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، وشملت دعما لوجستيا وعسكريا غير مباشر لحماية السد. هذا لم يكن حيادا، بل انحيازا ضد الأمن الوجودي المصري.
مع صعود أهمية شرق البحر المتوسط عقب اكتشافات الغاز سعت القاهرة إلى تثبيت موقعها كمركز إقليمي لتسييل الغاز وتصديره إلى أوروبا باعتباره ركيزة اقتصادية وأمنية في آن واحد. غير أن التحركات الإماراتية سارت في اتجاه معاكس. ففي سبتمبر عام ٢٠٢٠ دعمت أبوظبي مشروعا للطاقة بين إسرائيل واليونان وقبرص بقيمة تقارب ثمانمئة وتسعين مليون دولار لمد كابل كهرباء بحري إلى أوروبا، متجاوزة مصر رغم كونها الطرف الطبيعي في هذه المعادلة وعضوا رئيسيا في منتدى غاز شرق المتوسط.
في ليبيا اصطدمت الرؤيتان بشكل واضح. فعندما قررت القاهرة في أواخر ديسمبر عام ٢٠٢٠ إعادة الانخراط مع طرابلس ودعم مسار الحل السياسي، لاقت هذه الخطوة ترحيبا ليبيا، لكنها أثارت غضب أبوظبي التي كانت تفضل استمرار الخيار العسكري، لأن استمرار الحرب يمنحها نفوذا أكبر ومساحة أوسع للتحرك. وظهر ذلك بوضوح بعد دعم القاهرة للسلطة التنفيذية الليبية الجديدة في فبراير عام ٢٠٢١.
بلغ هذا المسار ذروته في السادس عشر من أبريل عام ٢٠٢١ عندما عقد اجتماع رباعي في قبرص ضم وزراء خارجية اليونان وقبرص وإسرائيل إضافة إلى ممثل إماراتي رفيع، في غياب لافت لمصر. حضور أبوظبي في اجتماع يتعلق بشرق المتوسط دون أي صفة جغرافية أو قانونية أثار دهشة القاهرة. وقد رحب وزير الخارجية الإسرائيلي حينها غابي أشكنازي علنا بمشاركة الإمارات، في رسالة فهمت في مصر باعتبارها محاولة لإعادة رسم التوازنات على حسابها. في هذا السياق نشرت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية في التاسع عشر من أبريل عام ٢٠٢١ تحليلا اعتبر انضمام الإمارات إلى هذا المحور جزءا من صراع أوسع مع تركيا في شرق المتوسط.
كما حذر تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب في مارس عام ٢٠٢١ من أن أي تقارب مصري تركي سيقوض استراتيجيات الاحتواء في المنطقة. بدورها نشرت صحيفة حرييت التركية في العشرين من سبتمبر عام ٢٠٢٠ تقريرا أكدت فيه أن الإمارات ضغطت على القاهرة لتعطيل أي حوار مع أنقرة مقابل دعم مالي. تعاملت القاهرة مع هذا الملف ببراغماتية وفضلت لاحقا مسار التهدئة، ما أثار قلق أبوظبي التي كانت تراهن على الاستقطاب الدائم.
في ملف التطبيع لم يكن الخلاف في القرار بقدر ما كان في السلوك. فقد تحركت أبوظبي بشكل منفرد وضغطت على دول عربية أخرى دون تنسيق مع القاهرة. ووفق تقارير متعددة في ٢١ ديسمبر ٢٠٢٠ شهدت العلاقات المصرية الإماراتية توترا غير مسبوق عقب شروع أبوظبي في التطبيع دون إخطار القاهرة ومحاولتها تهميش الدور المصري، بما في ذلك تجاهل دعوة مصر لحضور توقيع الاتفاقيات في البيت الأبيض. الأخطر كان موقف أبوظبي من دور القاهرة في غزة، حيث سعت إلى التشويش على جهود مصر في المصالحة الفلسطينية والتدخل لإفشال مسارات انتخابية كانت القاهرة ترعاها في فبراير وأبريل عام ٢٠٢١.
في السودان تحول الخطر إلى تهديد مباشر. دعم أبوظبي لميليشيا الدعم السريع تجاوز الخطوط المصرية. ومع تصاعد الفظائع أعلنت القاهرة في الثامن عشر من ديسمبر عام ٢٠٢٥ خطوطا حمراء واضحة في كلمتها أمام مجلس الأمن في الأمم المتحدة، معتبرة أي مساس بوحدة السودان تهديدا مباشرا لأمنها القومي. وفي السابع من نوفمبر عام ٢٠٢٥ نشرت مجلة أفريكا إنتليجنس الفرنسية تقريرا أكد إدراك القاهرة لمخاطر تسليح الميليشيات المدعومة إماراتيا بطائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي. كما كشفت تحقيقات سودانية مستقلة، أبرزها منصة فيستا، شبكات تهريب سلاح مرتبطة بالإمارات عبر بونتلاند وليبيا وتشاد وصولا إلى دارفور. وقد فرضت واشنطن لاحقا عبر وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على قادة هذه الميليشيا بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية.
امتد هذا النهج إلى الصومال. فقد عملت أبوظبي منذ سنوات على تعميق الانقسام الصومالي وإفشال أي حل دبلوماسي داخلي، ودعمت قوى انفصالية بالسلاح والمال بما يهدد الأمن القومي المصري القائم على منطق الدولة لا الميليشيا. واستخدمت أبوظبي موانئ في إقليم أرض الصومال كقنوات لتهريب السلاح والمتفجرات لميليشياتها في شرق ووسط أفريقيا. ولم تكتف بذلك، بل استخدمت دولا أفريقية غير عربية مثل تشاد كممرات رئيسية للسلاح والمرتزقة. كما جلبت مرتزقة من كولومبيا للمشاركة في المجازر ضد السودانيين.
وفي الثاني عشر من يناير عام ٢٠٢٦ أعلنت الحكومة الصومالية إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات، بما فيها اتفاقيات الموانئ والتعاون الأمني، متهمة أبوظبي بتقويض السيادة الوطنية. وكشفت تقارير عن تجنيد شباب فقراء من إقليم بونتلاند ونقلهم عبر طائرات شحن من طراز اليشن ٧٦ إلى مناطق نزاع قبل إرسالهم إلى السودان أو ليبيا، في مسار يتناقض جذريا مع الرؤية المصرية القائمة على إنهاء الصراعات لا تصديرها.
اقتصاديا حاولت أبوظبي التغلغل في مفاصل شديدة الحساسية داخل مصر. شمل ذلك السعي للسيطرة على موانئ قريبة من قناة السويس بما يثير مخاوف سيادية تتعلق بشريان التجارة العالمي. كما برزت مشاريع عقارية كبرى، من بينها العاصمة الإدارية ومشروع رأس الحكمة. فقد حاولت الإمارات سابقا فرض شروط تمس السيادة المصرية في مشروع العاصمة الإدارية، وهو ما انتبهت له القاهرة ورفضته بشكل صريح. ثم أعلنت الإمارات انسحابها من إعطاء أي تمويل للمشروع في فبراير عام ٢٠١٧، وهو ما كشف هشاشة كثير من الوعود الاستثمارية المشروطة بتنازلات سيادية. أما فيما يتعلق برأس الحكمة فهو مشروع عملت القاهرة بحذر واقتدار لكي لا تسمح بأي إخلالات سيادية، ولكن أصبح هذا المشروع كبوليصة تأمين لأبوظبي لكي تعمل كل ما تريد عمله ضد أمن مصر، وأصبح رأس الحكمة أداة ابتزاز لكي تكمل أبوظبي مشروعها العبثي في الشرق الأوسط وبالأخص حول مصر. وأتمنى أن لايكون هذا المشروع هو أداة إماراتية جيوساسية بدلا من اقتصادية، في المدى البعيد، لكي تكمل مشروعها الوظيفي المشكوك في نزاهته في شرق البحر المتوسط.
أما أحد أخطر أدوات النفوذ فكانت الإعلام. نفذت أبوظبي واحدة من أوسع عمليات شراء النفوذ في مصر عبر قنوات وصحف. وأنشأت عبر المواطن الفلسطيني الإماراتي محمد دحلان شبكات إعلامية كبرى منذ ٢٠١٣ . تصريحات سابقة لوزيرة التنمية والتعاون الدولي الإماراتية، لبنى بنت خالد، قالت ان الإمارات قدمت لمصر خلال عام 2013 فقط، مساعدات ومنح بلغت 16.99 مليار درهم إماراتي (أكثر من 4 مليار دولار)، أغلبها تعلق بتمويل أنشطة إعلامية، وثقافية. وبعد ذلك في عام ٢٠١٥ قام المواطن الفلسطيني الإماراتي محمد دحلان على إنشاء قنوات تلفزيونية جديدة والاستحواذ على صحف مصرية.
وبعد أن استفحل هذا النفوذ واتخذ أبعادا تهدد السيادة اتخذت القاهرة قرارا سياديا بإخراج هذا النفوذ وإجبار الإماراتيين على نقل ملكية هذه القنوات والمنصات في عام ٢٠٢٠، ونجحت مرحليا. لكن النفوذ الإماراتي الإعلامي تم إجباره على الخروج من الباب، ثم عاد بعد عامين بشكل أكثر تعقيدا من النافذة، وذلك عبر تمويل هائل لإعلاميين وأكاديميين ومفكرين بإشراف شبكة مغلقة يقودها رجل أعمال إماراتي. عملت هذه الشبكة على محاولات تقزيم الرأي السيادي المصري وتلميع الرؤية الإماراتية وخلق ضغط غير مباشر على الأمن القومي عبر الابتزاز بتوجيه الرأي العام والشعبي. وكان لافتا صمت هذه المنصات عن لقاءات مصرية سعودية بالغة الأهمية في لحظات مفصلية، مع تكثيف صناعة واختلاق حملات توتر شعبي إلكتروني ضد العلاقات المصرية السعودية.
وبخصوص السعودية، كما ذكرت سابقا، فبعد الضربة السعودية لمدرعات وأسلحة إماراتية في المكلا بمحافظة حضرموت قامت القاهرة بعد عشرة أيام بخطوة مماثلة غير معلنة عبر استهداف شحنات أسلحة إماراتية مهربة من ليبيا باتجاه ميليشيا الدعم السريع في السودان. رسالة صامتة لكنها شديدة الوضوح. وبإمكان مراجعة وقت الضربة وتحليلها بشكل أكبر. فبعد هذه الضربة تم استدعاء صدام حفتر وإعطاؤه رسالة مصرية قوية وهي أن القاهرة لن تتسامح أبدا مع موضوع تهريب الأسلحة الإماراتية لميليشيا حميدتي. ولهذا قامت أبوظبي بعد ذلك بالبحث عن وسائل تهريب جديدة. فقد قامت الرياض والقاهرة ومقديشو وغيرهم بتشديد الخناق على الممرات الجوية والبرية والبحرية أمام شحنات الأسلحة الإماراتية. ولهذا أصبحنا نرى في السودان انتصارات سريعة للجيش السوداني، آخرها اليوم بعد أن تم فك الحصار الممتد لأكثر من سنتين في الدلنج جنوب كردفان وطرد ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيا.
الخلاصة أن ما قامت به أبوظبي لم يكن دعما ولا شراكة، بل واحدة من أكبر عمليات الاحتيال السياسي في تاريخها الحديث. سعت إلى تطويق مصر وتكبيل قرارها واستغلال هواجسها الأمنية والاقتصادية. استخدمت شعار مكافحة تنظيم الإخوان للمزايدة حتى على الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه وعلى قراراته السيادية، ووسعت نفوذها عبر الميليشيات وحاولت وضع يدها عبر ميليشياتها على باب المندب مدركة أن قناة السويس بلا استقرار هذا الممر تفقد معناها الاستراتيجي.
لكن كما في الرياض بدأت القاهرة ترسم خطوطها الحمراء بشكل عملي. ما يجري اليوم مع أبوظبي ليس خلافا شخصيا ولا تنافسا اقتصاديا، بل صدام بين مفهوم الدولة ومفهوم الوكيل، بين النظام والفوضى، بين مفهوم الدولة السيادية والدولة الوظيفية. والقاهرة مهما طال صبرها لن تقبل أن تدار سيادتها من الخارج ولا أن يهدد أمنها القومي وهي مكتوفة اليدين. رغم كل ذلك لدي تفاؤل كبير في المستقبل القريب. ولا أقول إلا حمى الله أوطاننا من عبث العابثين ومن الخونة المندسين الذين يعلون مصالحهم الشخصية على مصالح أوطانهم ومصالح الأجيال القادمة. سبب تفاؤلي ينبعث من ما قاله فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إن “مصر والسعودية جناحا الأمن القومي العربي.” ولهذا أنا متفائل لأن الجناحين تم فردهما أخيرا.
وأختم بمقولة لجورج أورويل: “أكثر الخيانات إيلاما تلك التي تأتي باسم الصداقة” المقال القادم سيكون عن سياسة أبوظبي الخفية في بعض دول الخليج. سلمان الأنصاري باحث سعودي في العلاقات الدولية